|
ابن سينا وسر الحكمة المشرقية
ولد أبو علي الحسن بن عبد الله بن سينا، في قرية أمه التابعة لبخارى (أفشنة) سنة 370هـ/980 م- 428هـ 1037م) ودفن في همذان، وقد درس ابن سينا كل العلوم التي كانت سائدة في عصره، وكتب فيها، وقيل ان عدد كتبه زاد عن المئة اضافة الى الشعر والرسائل، وان ابن سينا الذي تفتحت عبقريته في عمر مبكر تحدث عن اتقانه للعلوم وهو في الثامنة عشرة من العمر قائلاً:«تعهدت المرضى فانفتح عليّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة مالا يوصف، وانا مع ذلك اختلف الى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من ابناء ست عشرة سنة، ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفاً، فأعدت قراءة المنطق وجميع اجزاء الفلسفة...وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن اظفر بالحد الاوسط في قياس، ترددت الى الجامع وصليت وابتهلت الى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق وتيسر المتعسر. وكنت ارجع بالليل الى داري وأضع السراج بين يدي، واشتغل بالقراءة والكتابة فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت الى شرب قدح من الشراب ريثما تعود الي قوتي، ثم ارجع الى القراءة، ومهما اخذني ادنى نوم احلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى ان كثيراً من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام، وكذلك حتىاستحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الامكان الانساني..فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري، فرغت من هذه العلوم كلها وكنت اذ ذاك للعلم احفظ، ولكنه اليوم معي انضج، والا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء»(موسوعة الفلسفة-41/ج1)- نقلاً عن ابن أبي أصيبعة« عيون الانباء في طبقات الاطباء»ج2،ص2) ان هذه العبقرية المتفتحة باكراً، ستنتهي باكراً بسبب اقبال صاحبها على الدنيا واستمتاعه بها، كما اقبل على العلم، ولكنها ستترك تأثيراً هائلاً ومحيراً سيمتد لقرون وسيقول عنه د.عبد الرحمن بدوي «ان مذهب ابن سينا يعدّ أوسع نتاج في الفكر الفلسفي في الاسلام، وقد حاول فيه المزج بين فلسفة أرسطو- وهو قد تمثلها خير تمثيل- وقسمات متناثرة من فلسفة افلاطون...وقد استطاع في موسوعته الفلسفية الكبرى (الشفاء) ان يقدم أوفى معارف فلسفية عرفتها العصور الوسطى، اما تأثيره في العالم الاسلامي والعالم اللاتيني الاوروبي في العصر الوسيط فقد كان هائلاً...ومن هنا سنجد في العالم الاسلامي سلسلة تمتد من القرن الخامس الى القرن الحادي عشر الهجري تتأثر بفلسفته أو تستلهمها أو توسع جوانب بدأها» (الموسوعة الفلسفية 67/ج1) وسيقول عنه محمد عابد الجابري :«ان ابن سينا قد حاول -قصد ذلك أم لم يقصد- الجمع والتوفيق بين اربعة عناصر متنافرة بل متعارضة: علم الكلام، التصوف، الفلسفة، الارسطية (الفارابي)، والفلسفة الاسماعيلية الهرمسية، ومن هنا شهرته بين أوساط المتكلمين والمتصوفة والفلاسفة والاسماعيلية، ومن هنا أيضاً اختلاف الناس فيه، وتعدد اتجاهات اتباعه ومعارضيه سواء بسواء»(الموسوعة الفلسفية العربية 791/ج2)واذا كانت فلسفة ابن سينا هي حصيلة لفلسفات وافكار متعددة، فإنه من جهة الاسماعيلية، كان عندما التقى بداعية لهم، وانحاز والده اليهم، ظل هو بعيداً عنهم، وقال عن نفسه انه كان «يفهم اقوالهم وقلبه بعيد عنهم»(تاريخ الفلسفة العربية -442)، وأما بشأن الهرمسية فهل يصحّ الاستنتاج بهرمسية كل من تلاقت بعض افكاره مع افكار قالت بها الهرمسية، وقال بها غيرها بعدها مثل وجود اله متعال، ونفس انسانية من نفحة الهية، ومادة غير طاهرة هي بسبب الشر، وطريق النفس...الخ، مما حفلت به جميع الأديان؟ ولماذا بدلاً من ذلك لا نستنتج الوحدة الجوهرية لجميع الأديان، لأنها من مصدر الهي واحد، وكان الفرق بينها في طريقة الوصول الى الهدف وهو الارتقاء بالانسان الى الله، فحددت كل شريعة لأتباعها طريقاً لانجاز رحلة المعرفة الانسانية الممكنة والمطلوبة وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقول:(الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) (كنز العمال-32346/ج11) ان البحث عن الإله الخالق، وانتشار الأديان، وافكار التطهير الروحي للارتقاء بالانسان، كان سمة لكل العصور ولهذا لم يعرف شعب بلا دين، حتى عندما اكتشفت امريكا تبين ان لقبائلها أدياناً، واساليب للترقي الروحي مثل الصوم والاستحمام والعزلة، فهل يمكن ان نحكم بأن طقوس هؤلاء مستمدة من مصادر هندية أو هرمسية، او اسلامية لمجرد التشابه القائم بينها وبين الطرق الصوفية المنتشرة في كل انحاء العالم؟!. اننا لا نريد ان نقلل من تفاعل الثقافات السائدة وتأثيرها في بعضها وخاصة عندما تلتقي في ظل حضارة واحدة، كما حدث في ظل دولة الاسلام، اذ من الطبيعي ان تستوعب الحضارة الجديدة افضل ما في الثقافات التي سبقتها، ولكن ماالذي سيحدث عندما يكون في الحضارة الجديدة كثير من السمات المشتركة، مثل الايمان بإله واحد خالق للعالم؟ هل سنستنتج بأن الحضارة الجديدة،الاسلام مثلاً نقل عن الهرمسية؟ اننا بسبب مثل هذه المفاهيم الخاطئة ما زلنا نعاني من تحديد هوية التصوف الاسلامي، ويطرح هذا السؤال كثيرون: هل هو هندي؟ وكأن كل معرفة يجب ان تخضع لتسلسل معين، وكأننا نفترض بأن كل معرفة لا يمكن ان يكتشفها الا شخص فريد من بين كل البشر، ثم لن يتكرر مثل هذا الشخص، مع ان الكثير من المعلومات السرية توصل اليها علماء في مخابر مختلفة وفي أوقات متقاربة، وهذا لا يمنع ان يكتشف ابن سينا الهرمسية دون اطلاع عليها، ولا ان يمارس المسلمون التصوف قبل الاتصال بالهند، وعندما نشاهد اتفاق كل الشعوب على تحديد معظم مفاهيم الخير والشر، فإننا لا نستطيع ان ننسب هذا التوافق الا للروح الانسانية السارية في كل البشر، أي للفطرة التي فطر الله الناس عليها، كما نشاهد بالمثل تشابهاً في طبائع كل نوع من الكائنات الحية وان عاشت في قارات منفصلة عن بعضها، ودونما حاجة لتلقين ثقافي من أي نوع، اننا لا نرفض تأثر ابن سينا بالهرمسية او غيرها، فالحكمة ضالة المؤمن، والحكيم، ولكن أليس الابداع هو جمع لأفضل مافي الماضي والحاضر وتنسيقه وتقديمه في برنامج موحد جديد؟ اذا كان هذا هو الابداع فإن ابن سينا لم يكن جامعاً فقط لفلسفات، وتوفيقياً بين اتجاهات فكرية، بل كان مبدعاً في انتقائه لأفكار من سبقه، لأنه صب كل العلوم التي اطلع عليها في قالب ابداعه النقدي، ثم أشاد منها ومما اضافه اليها بناءه الفكري الاصيل والجيد، فكان بناء استحق عليه لقب الشيخ الرئيس، هذا البناء الفكري ستظهر أهميته لكونه أول محاولة اسلامية لتقديم فلسفة متكامة تملك أجوبة للرد على المشاكل الفكرية المعاصرة، ولكن بما ان ما يهمنا في هذا البحث هو تقديم فكرة عن النفس والعقل والروح فإننا سنكتفي بعرض وجهة نظر ابن سينا في هذه المسائل، وسنبدأ أولاً بالنفس، ولعله من أكثر فلاسفة المسلمين الذين كتبوا في هذا الموضوع. لقد قسم ابن سينا النفس الى ثلاثة انواع- نباتية، وحيوانية، وانسانية، وهو سيصف النفس كما وصفها أرسطو- كمال أول لجسم طبيعي آلي- ولكن ما يتميز به كل نوع هو ان كمال النباتية في التغذي، والحيوانية في الحركة الارادية وادراك الجزئيات، والانسانية بإدراك الكليات وحرية الفكر والاختيار، وأما ما يساعد النفس على الكمال الخاص بها فهو للنباتية- القوة الغاذية والمنمية والمولدة وهو ما به تحول عناصر الغذاء الى ما يناسب النبات. اما الحيوانية فإضافة الى شبهها بالنفس النباتية بآلات مختلفة فلها قوتان: محركة ومدركة فالمحركة تحرض القوة النوعية والشوقية بما للشهوة والغضب من تأثير في الاعصاب والعضلات والمدركة لها طرفان خارجي وداخلي، الخارجي هو الحواس الخمس «وأما القوى المدركة من الباطن: فبعضها قوى تدرك صور المحسوسات، وبعضها قوى تدرك معاني المحسوسات.. والفرق بين ادراك الصورة وادراك المعنى ان الصورة هي الشيء الذي تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معاً، لكن الحس الظاهر يدركه أولاً ويؤديه الى النفس مثل ادراك الشاة لصورة الذئب...فإن نفس الشاة الباطنة تدركها، ويدركها أولاً حسها الظاهر، وأما المعنى فهو الشيء الذي تدركه النفس من المحسوس من غير ان يدركه الحس الظاهر أولاً»(موسوعة الفلسفة -56/ج1-عن النجاة) وما تدرك به النفس الحيوانية معاني الصور بالقوى الباطنة هو:«قوة فنطاسيا، أي الحس المشترك، وهي قوة تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمس التي تصل منها الى الحس المشترك -2-الخيال والصورة: وهي قوة تحفظ ما قبله الحس المشترك. 3-قوة تسمى متخيلة بالنسبة الى النفس الحيوانية، ومفكرة بالنسبة الى النفس الانسانية..وهي قوة تركب بعض مافي الخيال. 4-القوة الوهمية: وهي قوة تدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، القوة الحاكمة بأن الذئب مهروب منه، والولد معطوف عليه. 5- القوة الحافظة-الذاكرة وهي قوة تحفظ ماتدركه القوة الوهمية من المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، ونسبة القوة الحافظة الى القوة الوهمية كنسبة الخيال الى الحس»(موسوعة الفلسفة-56/ج) فالنفس عند ابن سينا ذات واحدة لكل نوع تخدمها عدة قوى، وبها تؤدي النفس وظيفتها لتحقيق الغاية من وجودها، وهكذا تترتب قوى النفس في خدمة بعضها وصولاً الى النفس الناطقة الخاصة بالانسان الذي يرأسه العقل القدسي والذي «هو الغاية القصوى، ويتلوه العقل المستفاد، ويخدمه العقل بالملكة، وآخره العقل الهيولاني الذي يخدم العقل بالملكة بما فيه من الاستعداد، والعقل العملي يخدم جميع هذه على أساس ان العقل العملي يدبر العلاقة بالبدن من أجل تكميل العقل النظري وتزكيته والوهم يخدم العقل العملي، ويخدم الوهم قوتان: قوة قبله هي جميع القوى الحيوانية، وقوة بعده هي التي تحفظ ما أداه، والمتخيلة تخدمها قوتان مختلفتا المأخذ: فالقوة النزوعية تخدمها بالانتماء لانها تبعث على التحريك، والقوة الخيالية تخدمها بقبول التركيب والفصل في صورها، والقوة الخيالية تخدمها فنطاسيا، وفنطاسيا تخدمها الحواس الخمس، والقوة النزوعية يخدمها الشهوة والغضب، والشهوة والغضب تخدمها القوة المحركة المنبثة في العضل، والى هاهنا تنتهي القوى الحيوانية، والقوى الحيوانية بالجملة تخدمها النباتية، وعلى رأس هذه توجد القوة المولدة، وتخدمها النامية، ثم الغاذية تخدمها جميعاً، ثم القوى الطبيعية الأربع وهي: الهاضمة والماسكة والجاذبة والدافعة تخدم القوة الغاذية » (المرجع السابق-57) ولكن ماهي النفس، هل هي مستقلة عن البدن وسابقة عليه، ،خالدة أم فانية معه حسب أرسطو؟ سيتفق ابن سينا مع الفارابي» ان النفس تحدث كما يحدث البدن الصالح لاستعمالها اياه، ويكون البدن الحادث ممتلكها وآلتها) و(ان النفس الانسانية لم تكن قائمة مفارقة للأبدان ثم حصلت في البدن)»تاريخ الفلسفة العربية 455/عن النجاة والشفاء) ودليله تكثر النفس بتكثر النوع، ولو كانت النفس الممتدة لوجود النفس واحدة فإنها لا يجوز ان تتجزأ، ولكن هل ستموت مع البدن، لانها كما رأى أرسطو متعلقة بالقلب، أو البدن؟ ابن سينا سيرى ان النفس هي جوهر غير مادي من نوع الجواهر السماوية، ولا تعلق لها بالبدن، ولذلك فإنها لا تفنى «مدرك المعقولات، وهو النفس الانسانية، جوهر غير مخالط للمادة، بريء عن الأجسام، منفرد الذات بالقوام والفعل»(موسوعة الفلسفة -28/ج1/عن، عيون الحكمة). ولإثبات استقلال النفس ومغايرتها للبدن وروحانيتها قدم العديد من البراهين منها الحركة القسرية والارادية« كالطائر الذي يحلق في الجو بدل ان يسقط..هذه الحركة المضادة للطبيعة تستلزم محركاً خاصاً زائداً على عناصر الجسم المتحرك وهو النفس..وبالجملة كل ما يكون مبدأ لصدور افاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة للارادة فإنما نسميه نفساً»(تاريخ الفلسفة العربية -449) وهذا برهان ورد عند افلاطون وأرسطو كما سيقدم براهين اضافية منها، برهان الاستمرار: أي تجدد الجسم وثبات علوم النفس وخبرتها، وبرهان (الأنا) وهو شبيه بأنا ديكارت«أنا أفكر أنا موجود» فهو يقول«الانسان يشير الى نفسه «بأنا» مغاير لجملة أجزاء البدن، فهو شيء وراء البدن»(تاريخ الفلسفة العربية-451) وهناك برهان الانسان المعلق في الهواء: حيث استنتج منه ان «للذات التي أثبت وجودها خاصية على أنه هو بعينه «أي الانسان بعينه» غير جسمه واعضائه التي لم تثبت. فإذن المثبت له سبيل الى ان يثبته، على وجود النفس شيئاً غيرالجسم، بل غير جسم، وانه عار به، مستشعر له»(تاريخ الفلسفة العربية 452/عن الشفاء)وهناك البرهان النفسي: وهو تعقل الانسان للمعقولات المجردة عن المادة:« اذ القوى المحركة والمدركة والحافظة للمزيج شيء آخر لك ان تسميه بالنفس وهذا هو الجوهر الذي يتصرف في اجزاء بدنك ثم في بدنك فهذا الجوهر فيك واحد وهو أنت على التحقيق »(تاريخ الفلسفة العربية 450/عن الاشارات) وان ابن سينا سيختلف مع أرسطو حول مفهوم الكمال، وهل هو مرادف للصورة، مما يجعل النفس في هذه الحالة صورة للجسد؟ ابن سينا سينفي هذه العلاقة أو المعلولية التي لا تتعارض مع السببية كوجود، ولكن كمعنى بعد الوجود، لما كان سبباً لوجود الصورة والمعنى فإذا كانت «صورة كمال، فليس كل كمال صورة، فإن الملك كمال المدينة والربان كمال السفينة وليسا بصورتين للمدينة والسفينة، فما كان من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفي المادة فإن الصورة التي هي في المادة هي الصورة المنطبعة فيها القائمة بها» (تاريخ الفلسفة العربية 454/عن الشفاء) وكما رفض ابن سينا وجود النفس قبل البدن، رفض أيضاً فكرة التناسخ «فإذا فرضنا ان نفساً تناسختها أبدان، وكل بدن فإنه بذاته يستحق نفساً تحدث له وتتعلق به، فيكون البدن الواحد فيه نفسان معاً..فإن كان هناك نفس أخرى..ولا تشتغل بالبدن، فليست لها علاقة بالبدن، لأن العلاقة لم تكن الا بهذا النحو ،أي علاقة تأثير، فلا يكون تناسخاً بوجه من الوجوه»(تاريخ الفلسفة العربية-457) فالنفس واحدة، وقواها متعددة، وأعلى النفوس هي النفس الناطقة الانسانية، وسوف يقسم قوى النفس الناطقة الى عاملة وعالمة أو عملية تقوم بتدبير البدن، ونظرية وبها يكون العقل عقلاً بالفعل، ولكن هيولانياً، ثم يصبح عقلاً ممكناً كعقل الطفل وقبوله للتعلم، ثم عقلاً بالملكة، أي عقلاً بالفعل، وهذا العقل بالفعل قد يتاح له الاتصال بالعقل الفعال، اذ قد «يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادىء العقلية الى ان يشتعل حدساً،أعني قبولاً لإلهام العقل الفعال من كل شيء فترتسم فيه الصور التي في العقل الفعال...وهذا ضرب من النبوة بل أعلى قوة النبوة، والأولى ان تسمى هذه القوة قوة قدسية، وهي اعلى مراتب القوى الانسانية»(تاريخ الفلسفة العربية 473/عن النجاة)إذن، فإن المعرفة العليا للانسان لا يمكن ان تتحقق الا بهذا الاتصال «فكمال الجوهر العاقل ان يتمثل فيه جلبة الحق، قدر ما يمكنه ان ينال منه ببهائه الذي يخصه، ثم يتمثل فيه الوجود كله، على ما هو عليه مجرداً عن الشوب، مبتدأ فيه بعد الحق الأول بالجواهر العقلية العالية، ثم الروحانية السماوية والأجرام السماوية، ثم ما بعد ذلك، تمثلاً لا يمايز الذات، فهذا هو الكمال الذي يصير به الجوهر العقلي بالفعل، وما سلف فهو الكمال الحيواني»(المرجع السابق -475/الاشارات) هل قصد ابن سينا الاتحاد او الحلول فيما يقول عن التمثل الذي لا يمايز الذات؟ سينفي ابن سينا امكانية الحلول والاتحاد كما نفاها ابن عربي لاحقاً، والسبب «قول القائل ان شيئاً ما يصير شيئاً آخر، لا على سبيل الاستحالة من حال الى حال، ولا على سبيل التركيب مع شيء آخر ليحدث شيء ثالث، بل على انه شيء واحد فصار واحداً آخر. قول شعري غير معقول، فإنه ان كان كل واحد من الامرين موجوداً فهما اثنان متميزان، وان كان احدهما غير موجود، فقد بطل الذي كان موجوداً»(تاريخ الفلسفة العربية-484/الاشارات والتنبيهات)واذا كان كل كمال لا يحقق الاتصال بين ما صار عقلاً بالملكة والعقل الفعال لا يصير عقلاً بالفعل، ويظل قبل الاتصال أقرب الى الكمال الحيواني منه الى الكمال الانساني، فهل نجح ابن سينا في تحقيق مثل هذا الاتصال الذي يمثل ليس نقلة معرفية فقط، وانما نقلة نوعية، وخروجاً من عالم المادة الى عالم الروح، من عالم العقل المرتبط بحقائق الأكوان ومظاهرها، الى رب الأكوان؟ سيجيب ابن سينا قائلاً: «إني لو اقتصصت جزئيات هذا الباب، فيما شاهدناه، وفيما حكاه من صدقناه لطال الكلام»(تاريخ الفلسفة العربية-480). بأي وسيلة حدثت المشاهدات لابن سينا، سيشير الى الرؤيا في النوم أو في اليقظة بعد الرياضات والعبادات وتطهير النفس، وتوجيهها نحو الحق، والسبب«ان معاني جميع الامور الكائنة في العالم مما سلف ومما حضر ومما يريد ان يكون موجودة في علم البارىء والملائكة العقلية من جهة، وموجودة في أنفس الملائكة السماوية من جهة..وان النفس البشرية أشد مناسبة لتلك الجواهر الملكية منها للأجسام المحسوسة، وليس هناك احتجاب ولا بخل، انما الحجاب للقوابل اما لانغمارها في للأجسام، وإما لتدنسها بالأمور الجاذبة على الجنبة السافلة،
واذا وقع لها أدنى فراغ من هذه الافعال حصل لها مطالعة لما تم» (تاريخ الفلسفة العربية 471/ عن الشفاء). يجب ان نتذكر بأن ابن سينا قد تعلم في الرؤيا بعض ما استعصى عليه فهمه من المسائل كما قال منذ حداثته. وهذا يدل بأنه حقق الاتصال بالروح منذ بداياته، فلا غرابة بأن تتطور المشاهدات الى اليقظة وان وجهت الاتهامات اليه بسبب عدم زهده، وربما لهذا السبب وضع حدوداً للتمييز بين الزاهد والعابد والعارف «فالزاهد هو المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها. والعابد هو المواظب على فعل العبادات. والعارف: فهو المنصرف بفكره الى قدس الجبروت، مستديماً لنور الحق في سره والعارف (يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه، وتعبده له فقط، ولانه مستحق للعبادة، ولانها نسبة شريفة اليه- لا لرغبة أو رهبة، وان كانتا فيكون المرغوب فيه او المرهوب منه هو الداعي، وفيه المطلوب ويكون الحق ليس الغاية، بل الواسطة الى شيء غيره هو الغاية، وهو المطلوب دونه) »موسوعة الفلسفة -63/ج1/ الاشارات والتنبيهات) . إن ابن سينا لن يؤكد امكانية الاتصال مع العقل الفعال آناً وآن، بل انه سيؤكد على امكانية هذا الاتصال بشكل دائم اذا وفر الانسان الشروط المناسبة لذلك، مما يعني ان الاتصال في حقيقته هو بيد العبد، بالرحمة الدائمة من الرب، مصداقاً للحديث الشريف - من جاءني ماشياً أتيته هرولة- ولهذا كتب ابن سينا في تعليقه على كتاب النفس لأرسطو: «والذي عليه المشرقيون ان الاستكمال التام بالعلم انما يكون بالاتصال الفعل بالعقل الفعال، ونحن اذا حصلنا الملكة ولم يكن عائقاً كان لنا ان نتصل به متى شئنا، فإن العقل الفعال ليس مما يغيب ويحضر، بل هو حاضر بنفسه، وانما نغيب نحن عنه بالاقبال على الامور الاخرى، فمتى شئنا حضرناه» (الموسوعة الفلسفية العربية-785/ج2) فهل سيظل الشرق مصدراً للروحانيات التي لا يدركها الا القلائل في الغرب، بكلام ابن سينا عن المشرقيين، الذين صدروا للغرب فلسفات الروح اضافة لمسيحيته التي لم يبق منها، كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو يحذر المسلمين من أكل ذبائح نصارى بني تغلب،غير شرب الخمر،فقال:لا تأكلوا نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية الا بشرب الخمر» :«كنز العمال-32346/ج6) وفي الختام اذا كانت فلسفة ابن سينا تهدف الى الكمال الانساني الذي لا يمكن ان يتحقق الا باتصال الانسان بالعقل الفعال فإلى أي حد نجح في تحقيق هدفه، سواء بالدلالة عليه، أو توظيف معرفته لهذه الغاية؟ اذا أخذنا ما كتبه ابن سينا حتى في قصصه (سلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(رسالة حي بن يقظان) التي سيعيد كتابتها ابن طفيل بشكل آخر، فاننا سنشعر بأن ابن سينا قد نجح في أداء رسالته، ولكن بشكل عال، وبروح لا تعرف غير التحليق، ولهذا لم يكن فكره في متناول الجميع، وظل زاداً للخواص، بل لخواص الخواص، كما ان انغماسه في الحياة العامة والعامة السياسية، حجبه عن النور الفائض والدائم من الحق، وقد أدرك اسباب الحجاب، وان كان قلبه عند الحق كما نعتقد به، لأن من ذاق الانوار لا يستطيع ان يطيق ظلمة الحجاب، وان لم يحقق من هذا النظر شيئاً، لان الحق لا يعبد لغاية، كما لا يحب الجمال لفائدته ونفعه، وان كان بحد ذاته نافعاً ومنعشاً للروح، ومن ينظر الى ما وراء كلمات ابن سينا سيدرك بأن هذه الكلمات وليس النفوس الانسانية فقط قد (هبطت اليك من المحل الأرفع...ورقاء ذات تعزز وتمنع) محجوبة عن كل مقلة ناظر..وهي التي سفرت ولم تتبرقع ) وبدت تغرد فوق ذروة كل شاهق..والعلم يرفع كل من لم يرفع». فاذا كان قد عجز ابن سينا عن سلوك الزاهد والعابد، فإنه قد حظي بطريق المعرفة والايمان واليقين، فنال درجة العارف، وان كان طريقه لا يصلح لكل سالك..ورحم الله الشيخ الرئيس الذي قطف ثمار الحكمة من فوق رأسه، وشفى بنور معرفته نفوساً، كما شفى أبداناً، وظل لعدة قرون طبيباً للفاني والخالد في الانسان، واذا كانت الحضارة المعاصرة قد اكتشفت أدوية للفاني جديدة، فسوف تبقىأدوية ابن سينا إكسيراً للخالد وهذا هو سر الحكمة المشرقية كما سماها. المراجع: -علاء الدين الهندي- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال- الطبعة الخامسة- منشورات مؤسسة الرسالة-بيروت. -باشراف د.معن زيادة- الموسوعة الفلسفية العربية-الطبعة الأولى- منشورات معهد الانماء العربي- بيروت. -عبد الرحمن بدوي- موسوعة الفلسفة- الطبعة الأولى- منشورات المؤسسة العربية للدراسات-بيروت. -حنا الفاخوري ، ود.خليل الجر- تاريخ الفلسفة العربية- منشورات مؤسسة بدران، بيروت.
محمد عرب
|