أوصاف أنثوية في شعرنا المعاصر


د. عاطفــــــة الفيصـــــــل

مارس الشاعر التقليدي عمود الوصف، الذي يعنى بالمظهر أكثر مما يعنى بالجوهر كما كان يفعل الشاعر الجاهلي، فالنساء مثلاً في الغزل تختلف أسماؤهن دون أن تختلف صفاتهن، وإننا لا ننعى على هذا الشاعر الوصفية، بل على العكس فإن هذه الوصفية عبرت عن واقع النفس البدائية، التي تعنى بنسخ الوجود وتقليده، دون ان تتساءل عما وراء مادته، وتعاني ذلك الشعور الحاد امام حيرة النفس والاشياء .
 أما في الشعر الحديث، فقد أفاد الشاعر ثقافة فلسفية وحضارية وفنية وبالتالي فقد اصبح الشعر الحديث شمولياً ثقافياً حضارياً، بعد ان كان فردياً فطرياً وصفياً، وأصبح يتوسل بالرمز، وهو الرؤيا النفسية التي تحل في الحس والمادة، فتبعثهما بعثاً جديداً، بعد ان كان يتوسل بالتشبيه، الذي يفصلهما ويفرض عليهما سلطة الوضوح، وينبه الشاعر «حامد حسن» في مقدمة ديوانه الى أثر قضية الكلمات التي أرادها في الديوان هي الجمال، ثم يقول مخاطباً المرأة:
 «قد يطيب لك ..أن اتغنى ذاتك ميولاً ونزعات وأهواء ورغبات، أن أشبع جوع تطلعك، ظمأ كبريائك، أفرش دربك بنفسجا، ورياحين... إن فعلت هذا أكون تنكرت، خنت القضية- قضية الادب الحق- لانني اعطيتك، اعطيت المجتمع مائدة مسمومة، حرفاً مكذوباً، فقأت الرمان في حلقك، انمتك على هدهدة المورفين، ماذا فعلت، دللت غرورك، تملقت أنانيتك، اضعت ذاتي».. وذلك نقلاً عن ديوانه اضاميم الاصيل.
 ومن هنا نفهم ان صورة المرأة في الشعر الحديث، لا تأتي الا ضمن معايير فلسفة الجمالية والحقيقة والنفس، فالشاعر يريد ان يعبر عن نفسه اكثر مما يريد ان يرضي محبوبته، ومن ثم فإن المعاناة الشعورية هي الرصيد الاول الذي يمتلكه الشاعر السوري عندما يتطرق الى صورة المرأة، وأن هذا الشعر لم يكن في وقت من الاوقات ضعيف التجربة قليل المعاناة، ولكن الوصفية ما برحت تطغى على معظم شعرنا الحديث، وخاصة في الوصف الجسدي، حيث لا نكاد نعثر على معنى او صورة ، دون أن تكون توليداً للمعاني القديمة، فهو ينفعل بالاشياء لكن انفعاله ليس خلاقاً يحيي ما ينفعل به ويبدعه ابداعاً جديداً.
 فالشاعر كمال فوزي الشرابي حين يصف العينين يشبههما بشواطىء ذهبية، تغفو تحت جداول القمر، او بأمسية تهفو روحه الى ياقوتها النضر، او بربيع يلتف بالزهر والشدو أو بمنظر ريفي يصفو ويموج بالفيروز والدرر.
 أشواطىء من عسجد تغفو
 في الصيف تحت جداول القمر
عيناك، أم أمسية تهفو
 روحي على ياقوتها النضر
 أما الشعر فيتراءى للشرابي كخيوط الذهب، ولذلك يطلب الى الفتاة ان تدع شعرها مسترسلاً كشلال تبر على الكتفين، او كبركان نار على منحنى ساعديها، او كريف قروي وقت المساء، تموج النسائم بسنابله، ويتمنى ان تدع هذا الشعر مستسلماً الى كتفه كباقة من حديد ليعي صحو السماء ووجه الربيع:
 دعي شعرك الحلو مستسلماً
 إلى كتفي باقة من حديد
أعي فيه هدأة صحو السما
 وأبصر وجه الربيع النضير
 واسرح في غابة مغرما
 بنفح الظلال وهمس الورود
 وللشاعر عبد الباسط الصوفي وقفة أمام صورة المرأة الجسدية ساعة الحزن، يبين فيها أن الألم النفسي، والاحزان المتواصلة أخفت نبض لون الخد، واشراقة العينين الغائرتين في المحاجر.
 أين يا أخت نبض لون على الخد
 واشراقة وراء المحاجر
 وفم يعصر الضياء، سكيبا
 ويد تلطم الاسى والدياجر
 ومن الصورة الجديدة التي اوضحها الشاعر الصوفي، تلك التي ترى الجمال في صورة الوجه في حالة الحزن والسأم، وما ينتاب جمال الخدين من تعتيم ، حين يتألق عليهما شعاع نور، ثم يختفي، ولعله تعبد حقاً هذا الجمال الحزين وهام به.
 تعبدت هذا الجمال الحزين
 وهمت... بآفاقه كالشبح
 وفي الصدر عمق يفض الظلال
 وفي الوجه طيف شحوب رقد
 ولعل هذه النظرة الخاصة الى جمال الحزن تعود الى ذاتيته السوداوية التي تميز أدبه الرومانسي بشكل عام.
 ويرسم الشاعر نديم محمد صورة المرأة في ظلال الطبيعة، ثم يبدأ عملية ابداعية في تكوين الصورة التي ترتسم في الشعر، فيأخذ من الطبيعة عطرها وضحاها، ويسكبه في جسد المرأة، وما يزال كذلك حتى تخرج صورة المرأة أبهى وأحلى من جمال الطبيعة، ففي قصيدته (خفر) تظهر المرأة في ظل دالية ومن حولها الدفلى تجلس في ارجوحة، تارة تصغي بكسل الى موال تصدره راعية بجانب نبع الماء في الحقول المجاورة، وتارة تتطلع بعينين فرحتين الى طيور الروض التي تصعد وتهبط في الروض وفي قصيدته (دعوة الانثى)، تأخذ المرأة لون الحبة السمراء، وتغتسل بالصبح، و تعيش في الغمام ، أما لونها وعطرها، فمأخوذان من العنبر والصندل.
 الحبة السمراء، وسط العين اسمعها تبوح
 أنا، في الغمام الرهو، هذا الثقب، او قمر جريح
 من عنبر، لوني يسيح وصندل عرفي يفوح
 لقد منح الشاعر نديم محمد المرأة، أحلى الصفات، وانقاها وصورها في إطار من الحسن، يفوق به جمال الطبيعة، لقد جعل خديها كالورد النضير، واعطى شفتيها لون الشفق، وصبغ شعرها بلون الصباح، وكساها بأكداس الحرير.
 ويحب الشاعر نديم محمد في عيني المرأة اللون الازرق، او الأخضر، يصف العينين، يصورهما شاردتين، في حلم بعيد، في دنيا من الغناء، وكأنهما تنهلان الزهو من السحرأو الصباح او المساء، وكأنهما في صورتهما اغرودتا ملكين من طين وماء.
 عيناك سر في شرودهما يذكر بالنداء
عيناك حالمتان، سابحتان،في دنيا غناء
عينان من لون البنفسج، والقرنفل، والسماء
عينان خضراوان، كالنعمى، يحبهما شقائي
 وقد أضاف الشاعر حامد حسن الى الشعر العربي القديم صوراً جديدة للملامح الجسدية للمرأة، ففي قصيدته ( غدائر) وصف غدائر الحسناء، فمنح الشعر حيوية، ومشاعر انسانية وجعل صباح الطبيعة عاشقا ولهاناً يلهو على اللميم من الغدائر، لقد تشخصت الطبيعة والتشخيص أسلوب من أساليب الادب العربي القديم ، وأصبح لها روح وحس وعشق، فالصباح يعجب بالشعر المعطر المتموج الخضل الكثيف، وكأنما أحسّ هذا الشعر بأهميته، وقوه اسره وتأثيره، فراحت خصلة تتقلب بغنج ساحر وترف، وتتقصف متمايلة مع الهواء
 يلهو الصباح على اللميم من الغدائر والصفيف
 العاطر
 المتموج
الخضل
 الكثيف
خصل غنوجات التقلب
 والتقصف
 والرفيف
 ولا يقتصر الشاعر على الوصف الجسدي ، وإنما تناول آثار المرأة واشياءها، فالشاعر غارق في جو المرأة، معني بوصف آثارها في الغرفة وفي نفسه.
 غادرت كوخي ...ومحراب الهوى
ومضت للعالم المنطلق
تركت لي ملء بيتي عبقا
أنا لا اعبد غير العبق
 وصدى في غرفتي ...في مسمعي
 في دمي ..كالنغم المتسق
 فالقصيدة في وصف آثار المرأة، لا المرأة ذاتها، وآثارها تتجلى في العبق الذي ملأ البيت، وفي الصدى الذي يتردد في غرفة الشاعر وسمعه ودمه، وهذا الصدى ذو نغم متسق.
 ثم يلمح على المكتب أضمومة من حبق في كوب أبيض قد ذبلت أوراقها ظمأ، ويتجاوب مع ذبول الورق فيصف قلبه بالذبول، وأخيراً يلحظ عنوانها في زاوية من الزوايا، كما يلمح في زاوية أخرى كلمة الوداع أو بالأحرى كلمة السراب .