أسبوعيات .. الماضي حاضراً وثقافة الغياب


< .. لم تتكىء امة  في التاريخ  حضارة ، وارثاً ، فكراً وثقافةً، على تلك المواريث التاريخية الغابرة ، كما نفعل نحن الآن ، وكأننا العاشقون الابديون لتلك الموروثات الخالدة دون ان نجعل منها معياراً لما نكتب راهناً او مقياساً لفتنة الماضي وتقنيات الحاضر المذهلة ...ان شعوراً بالقصور ينتابنا ونحن نحس بين امم الارض ، بأننا لم نستطع الاستمرار في بناء (معمارنا الانساني الحضاري ) واستكمال حركة الاجيال في نمائها وتطورها ، ورؤاها تجاه مستقبلها، ولا اختراق راهن طموح حاد التقنيات، بما يدفعنا خطوة واحدة للأمام نحس من خلالها اننا في كينونة الحياة فعلنا للتاريخ شيئاً نذكر به لاحقاً وللمعمار الانساني الحضاري شيئاً مشاركاً ومتمماً له فيما شاده، وبناه وشيئاً للآتين من بعدنا، نشعر انهم يفرحون به ، ويفتخرون بنا على اننا صنعنا للاجيال القادمة ما يجعلهم يحسون بما صنعنا انه جزء عام ومتمم لعلاقة الماضي الحضارية والتاريخية براهن البناء المعماري الحالي ، وأن الحقبة المعاصرة لم تفشل تماماً في اضافاتها البناءة لسجلات الماضي العريق، وان فكرة الاحباطات التي نغذيها في اعماقنا على انها قدرنا المحتم ، ما هي الا فكرة ماحقة استنبتناها في حقول وهمنا، ثم رعيناها حتى طالت لمرحلة العشب المريض الواهي، فإذا تحركت الريح باتجاهها تركتها قاعاً صفصفاً على امتداد خيالاتنا الواهية التي، كادت للحظة ما، ان تؤمن بالقدرية التاريخية للاجيال، وان الاجيال كالافراد...منهم من يولد عظيماً ومعطاء ، وخارقاً وعالياً كالجبال ومنهم من يولد ضعيفاً ويائساً ،وعاجزاً عن فعل شيء لان حركة الفعل عنده غائبة من المهد وسرير الولادة الصغير والذي لم يكبر به، ولم يغادره... نحن نرفض هذا مطلقاً ونخلعه عنا جملة وتفصيلاً ...صحيح اننا قد نكون تأخرنا عن ركب الحضارة لعلل كونية ما بسبب الملابسات والظروف التي احاطت بنا وماتزال ، ولعوامل قاصرة خارجة عن ارادتنا كبشر ولكنها - حقيقة - غير خارجة عن ارادتنا بما نملك من امكانات بشرية ومادية وطاقات هائلة للاندفاع بها تجاه بناء كياننا الانساني والحضاري والمعماري ، ولكننا في الحقيقة ايضاً لم نترك الساحة خالية من مستلزمات البناء الحضاري والتقني والثقافي والاجتماعي والتاريخي ... ولو اعطى الانسان العربي المجال لاثبات تفوقه الفذّ  في البناء والتعمير والصعود الى اعالي الممكنات الخارقة لفعل المستحيل في اثبات ذلك .. ولكن الحواجز ، والمتاريس الهائلة التي تقف في وجهه تحول دون ذلك !!!
 إن صدمة اليومي المعاش جعلت المواطن العربيّ يقف مستهلَكاً تماماً عند دوامة هذه الصدمة القاتلة...جعلته لايقرأ، ولا يكتب ولا يناقش الآخرين ، ولا يجامل الحياة الا من خلالها علماً بأن جولاتي وعملي في اقطار عربية متعددة جعلتني أؤمن جازماً ان ما نملكه من امكانيات يفوق حد المعقول والتصور وما نملكه من قدرات يفوق حد المستحيل المتخيل، ومع هذا فإننا في الميزان التقويمي للأمم  الاخطر، ملايين تحت خطوط الفقر القاتمة، والاخطر استهلاكاً للواردات الخارجية، والاقل استنباطاً وابداعاً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتقنيات والبرمجيات المعاصرة ومع هذا ، وأيضاً من خلال العمل في اقط ار عربية ومع شركات اجنبية فالملاحظة الاخطر التي يقف عليها المواطن العربي هناك: ان الشركات تلك مهندسوها ومبدعوها والقائمون على امرها خبراء عرب افذاذ القدرة والقيمة والفعل ، وان الاجانب هم فقط مستشارون في شركاتهم، لا اكثر... وعند الحساب نجد قيمة القدرة العربية تحاسب بالكفاف والاسترخاص، والمهانة بينما حساب ( الاجناب ) الخواجات الاجانب الوافدين الى بلادنا يقدر برقم لا يتصوره خيال، ولا عقل بشري... وبعد هذا نقول: نحن وهم!!؟ فالحمد لله ملء الابد اننا مازلنا نكتب ونفكر ونبدع ونقف على اقدامنا الثابتة  كالاشجار الواقفة بشموخ وثبات على بوابة المستحيل .
 فهل بعد ذلك نتساءل لماذا تهاجر الادمغة العربية من اوطانها الى منافيها باختياراتها  الحارقة، ولماذا  يقصر المبدع العربي في ابداعاته المقتولة بصدره!!؟ عندما تأخذني الكتابة حد النزيف انسى الجوع والعطش، والواجبات اليومية المطلوبة مني ...ليست الخاصة بالعائلة والاولاد، بل الخاصة فيّ انا ...لكنني ، كم تغمرني الفرحة الطفلية عندما انجز قصيدة او موضوعاً يقرأ من بعدي وأنا الذي انجزته اولاً !!! وهكذا ارى ما أراه في عيون احبتي المبدعين حقيقة ويقينا !!! اذا، فالحياة لاتقاس بالمال والجاه، والانفاق والاستهلاك ولكن، قليل من التصورات يجعل المبدعين يفرحون بما ابدعوا فرحاً طفولياً غامراً يلازمهم البقية الباقية من اعمارهم المحسوبة بالكلمة والجملة والقصيدة ... وتوفر لهم ولعائلاتهم المميزات اللائقة في المطارات والقطارات والمطاعم والمواصلات وكلمة شكر لابداعاتهم بما يليق بها، عندها سينهض بيننا ألف متنبي ونابغة، وابن سينا، وفارابي، وخوارزمي يبدعون في الثقافة والتكنولوجيا وأيضاً في صياغة المستحيل على هواهم...
< وماذا لو كل عام كرمت مجموعة من المبدعين؟
 
محمود  حامد