|
الرمز والأسطورة في النص الشعري (العودة إلى أوروك)
(العودة الىأوروك) نص شعري للشاعر خليل الموسى صدر عام 2006 عن دار إنانا، قُسم هذا النص الى خمسة فصول وكل فصل يحمل عنواناً وهي على الترتيب (أصوات، الظلام، مواجع، تواقيع، العودة) يدعونا الشاعر الى دخول عوالم مختلفة عبر نصه الشعري الطويل يمتد من زمن جلجامش الى زمننا الحاضر بحسه الشعري القائم على بناء كم هائل من تشكيل الصور ويفرز بتلقائية ايقاعاته العالية. لقد هيمن فضاء السرد، وظهر الطابع السردي بشكل واضح في النص منذ الفصل الأول، إذ بنى كل فصل على عدة وحدات بأسلوب قصصي شيق ومحكم عبر آلية التصوير الشعري. (مضى العمر/ وعاد الفارس المغوار مهزوماً/ بلا حرب/ بأوسمة وتبجيل/ بأعراس/ وعاد الليل يا أوروك/ عاد الحزن يا أوروك/ قد عادت مواجعنا/ ألا هبي رياح الموت والجدب/ وغطينا/ لحانا أورقت طينا) ص7. حقاً إننا أمام قصيدة مجللة بالحزن والانكسار، انكسار الأحلام. ان رياح الموت والجدب في الصورة الشعرية تشير الى الصراع الدرامي بين الخصب والجدب ، وان كانت عشتار لاتبكينا وتموز لا ينتفض..وهنا اشارة الى المحتل الطامع الذي يهدد وجودنا واشارة الى بعض العرب التي تحمي هذا الوحش المفترس البغيض.. (كلاب الليل تتبعنا/ وتنهشنا/ ونحميها) ص8. إن أنا الشاعر وذاته الانسانية تنشد الخصب بالرغم من كل هذا الجدب الساعية الى موت تموز وتبقى عشتار رمز الخصوبة والعطاء هي الأرض والأم التي تهب الأمل والحياة والخصب. أشم بفيك رائحة المراعي فلا أخشى الصقيع ولا قواه ويلهث في ضفائرك القطيع ففي شفتيك يحترق الصقيع إن الصور الشعرية تسود في النص، وتبدو متنوعة منها ما هو واضح ومنها ما هو ضمني غامض ومنها ما يأتي مستقلاً ومنها ما يأتي مندمجاً أو مركباً، وهذه الصور ما هي الا صدى لما يعتلج في اعماق الذات الشاعرة، وغالباً ما تكون هذه الصور الشعرية حسية أو انطباعية تضفي جمالاً وسحراً على الاشياء المتخيلة كقوله: (الحقول تبتسم/الهضاب تغني/ وعندما أتأبط حلمي وأسافر/ مثل طيور المساء/ مخلفاً ورائي نيازك محطمة) ص10. إن استخدام المجاز سمة رئيسة لدى شعراء الحداثة وهو منجز اعطى الشعر الحديث المظهر الأول من مظاهر الجدّة. ان الحشد الهائل من الصور البيانية وعلى رأسها المجاز يقودنا الى اكتشاف عالم من العلاقات الجديدة بين عناصر متقابلة أو متناقضة يتداخل الطبيعي مع الانساني في النص الشعري (العودة الىأوروك). (قصائد تنهض من غفوتها/ أشواقاً تدلف الى سريرها/ مثل ليلة تنام/ أرى في عينيك ولادة النهار/أحلام البيادر/ أيها الابط المتوج بالحنطة /والبحار..)ص10. واذا انتقلنا الى الفصل الثاني الذي يتصف بالقصر، نجد ان هناك ثراء وغنى في استخدام الموروث الديني، فالقرآن الكريم والتوراة والانجيل روافد مهمة من روافد التجربة الشعرية الحديثة، اذ تفاعل الشاعر مع الشخصيات الدينية والنصوص تفاعلاً حياً نابضاً، فشكل هذا التناص الديني والاسطوري بنية فنية جمالية مؤثرة وعميقة في النسيج الشعري لهذا النص وفي الكشف عن الرؤى العميقة والبعيدة والمتعددة. (في الصباح علقوا قميصه/أمام عيني يعقوب/ أقسموا ان الذئاب تقاسمته/ وأحد عشر كوكباً/ انطفأت فوق جثته)ص21. أو كقوله (خرج من صليبه/ يرتدي قميصه الممزق/ وعينيه المشعتين/ يبحث عن المجدلية/ في أعياد هيروشيما)ص29. ويكرر الشاعر مفردة (أوروك) كثيراً في نهاية اغلب المقاطع عند توتر البوح الشعري حتى أصبحت بؤرة لرؤى الشاعر فهي المدينة والأمل والمرأة والخصب فتعددت دلالات هذه الكلمة. ان الشكوى من الألم شرارة أولى للاحتجاج الأكبر والمواجهة الاكثر عمقاً للوصول الى الصفاء والتطهر. (أنا ما خنت قافيتي/ ولا خنت بها الحرفا/ أنا ما بعت أحبابي/ ولا بعت الهوى السّمحا/..وأوروك مطهرة/ دلافين وأسماك/ وعشق بالغ اللمس) ص34. وتسيطرنغمة الانكسار والحزن على فضاءات القصيدة ويظهر الاحساس بجمعية الهموم وعموميتها والتوق للتحرر والخلاص من واقع مؤلم حيث الخطاب الشعري المباشر في بعض المقاطع (ماذا نفعل وحين ترتفع الهاوية/ تنخفض الجبال/ تحبل الأنياب/ تملأ الاحزان التلال والمنخفضات..!؟. ماذا نفعل خارج هذا العالم/قطارات من الأحزان/ أقدامنا لا أرصفة لها/ شوارع تتفتت/ وأحلامنا بلا منافذ بلا أقدام..!؟)ص37. وهكذا تكشف البنية اللغوية عن البعد الدرامي، والحس المأساوي العميق المكتنز بالمرارة والحزن المهيمن على الذات الشاعرة والابعاد النفسية المأزومة التي قرضت من تواجد الغرباء. (ماذا نفعل خارج هذا العالم/ عساكر يتوافدون ويتوالدون يتناسلون/ أحصنة بلا أجنحة/ قصائد بلا عناوين..!؟)ص37. (ماذا نفعل خارج هذا العالم:/ تعلمنا حكمة السقوط مرارة الملح الأسود..!؟)ص38 وظف الشاعر الاسطورة في نصه الشعري الطويل فجاءت لتخدم النص فكان وجود «أنانا» يرتبط بالجدب وسحق هذا الذئب البشري، ولتنقذ (تموز) القتيل وتهبه من لدنها حياة..إنها الأم الكونية المخضبة بذاتها الغامرة بظلها الرحيب عالم الانسان. (فرج أنانا يسيل دماً في المنحدرات/ ونحن نتباعد كقافيتين/ ككبشين في بطن واحدة/ أغوتهما أنثى النعاج/ فليس غريباً ان تخلع أقدامنا/ قروننا/ أوجاعنا / أعرافنا في صباح مجنون) ص41. أما الفصل الرابع من النص الشعري حمل عنوان (تواقيع) هذا العنوان يوحي لنا بمدى تأثر الشكل الجديد للقصيدة العربية الحديثة بشكلية التوقيعة في الارض الخراب ت.س إليوت وطريقة بناء العضوية التي تظهر في هذا النمط الشكلي. فتعدد التوقيعات يكثف الصور في الرؤيا ويعكس الواقع الخارجي وهذه التوقيعات كثيراً ما تستعرض تاريخ الذات الانسانية وصراعها الدائم مع الوجود والعودة الى المنابع الأصيلة، كما يرسم ذلك الفصل الخامس الذي حمل عنوان العودة. وفي توقيع أولي يقول الشاعر: (قالت جثة أخيرة: هل رأيت الجنود يعبرون اليم والمحيطات يحتلون الغيوم. الهواء/ الماء/ النار/ الربيع؟) ص54. إن النص الشعري في العودة الى أوروك قائم في الغالب من عدة مقاطع فهناك القصائد القصيرة التي تمنحها وحدة الموضوع وقدراً كافياً من التماسك، وهناك القصائد الطويلة المبنية بناء مقنعاً..استطاع الشاعر خليل الموسى بمهارته وتمرسه ان ينسجها بشكل جميل..إن هذا النص الشعري بوح ذاتي عفوي قائم على النقد الاجتماعي لواقع عربي وانساني حزين ومؤلم طافح بالظلم فرضه أعداء الانسانية، والشاعر اذ يشخص هذا الواقع يطمح إلى معالجته بفنه الشعري.
عوض الأحمد
المصادر والمراجع:
-الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي -الولي محمد. - الانزياح في منظور الدراسات الأسلوبية د.أحمد محمد ويس. - التجربة والشعر أرشيبالد مكليش.
|