|
حديث الصباح حيناً...وتصفو الحياة...
جمال عبود
يطالعني السيد «أبو حامد»باعتذار شديد التهذيب، كأنني ضبطته متلبساً بمخالفة ما، وبالكاد استطعت إقناعه أن «ليس كل غلط في خدمة ما»هو مسؤولية الموظف المعني، مع ذلك يشعرني أن أي غلط في أي مؤسسة ما هو بالضرورة مسؤولية كل العاملين بها، وخاصة من كان في موقع المسؤولية منهم، ويتخذ إجراءاته الإسعافية العاجلة ويعدني أنني قبل نهاية الدوام سأجد ما جئت لأجله جاهزاً ولن أحتاج لمراجعة أخرى، فأغادره وأنا أكثر ثقة من ذي قبل أنّ في وسع أيّ منّا أن يسع الكون رحمة ورأفة وتهذيباً، وأن شعور الإنسان بالإنسان هو جوهر التكوين وأهم أسبابه.. وأدع السيد أبا حامد ، أدع دائرة النفوس، وأمضي بشأن لا أدري كم سوف أستغرق فيه، فالحياة من حولي تلج في صخب لذيذ...وشوارع المدينة الصغيرة تكاد تفيض بالغادين والرائحين....ومن حيث أتيح لي أن أكون في المقهى الرئيسي في البلدة بدأت أدخل في تفاصيل المشهد الصاخب من حولي: هو ذا الربيع يفتح أشرعة اللقاء ويمدّ أجنحة الوصول وينشر غيمات من الحبق...فرائحة الربيع لا تستأذن في دخول الأفئدة ولا يعوقها شيء عن تلافيف الروح.. وهو الفرات الذي كان يمضي هادئاً حتى لكأنه خارج المشهد كلّه...فقد قنع بمسيره خلف آخر البيوت، إن شئت فهو قبل المدينة...أو بعدها، مادام يحتضن المدينة ويحنو عليها. وأعجب كيف تتحرك سطوة المدن فينا، ثم كيف تتلاشى في أرواحنا فنغدو منها كي تصبح جزءاً من وعينا وسكينتنا...فما إن أدخل مدينة، مهما كانت صلتي بها، إلا وأشعر بسطوة تكاد تدفعني للرحيل عنها، ولكن شيئاً فشيئاً أجدني أصبحت مندمجاً حتى الذوبان في تفاصيلها. وقد تظنون أن المدن الصغيرة هي من بعض تفاصيل المدن الكبرى ، وينبغي أن تكون أصغر منها في كل شيء، ولكن الحقيقة هي أن بساط المدينة واحد، وأفق طموحها واحد أيضاً، فإذا اختلفت المدن بمساحة البساط الممدود...فإن تلاوين البساط وتلافيفه هي ذاتها في كل المدن: هموم الناس ذاتها، أفراحهم، آمالهم، تلهفهم على الجديد المرجو في كل شيء.. على ذلك أنت في الميادين كأنك في الحسكة أو دير الزور أو دمشق...أو ما شئت من مدن تعرفها أو تود أن تعرفها، ففي الجوهر..كلها تسعى للحياة. على ذلك ينبغي ألا تعجب لعشرات التساؤلات هنا، وعشرات الرغبات هناك، وقد تجد من يشعرك بأن مركز العالم هنا أو أن العالم كله يبدأ من هنا...فهنا ثمة تاريخ وحضارة وعراقة، وهنا أيضاً ما هو أثمن من ذلك كله، هنا الإنسان بطموحه وآماله. ومرة أخرى تستلبك صحوة الشارع واندماج الجميع في موسيقى الصخب النابض بالحياة...فالى أين يمضي كل هذا النداء...؟!. وإن غبت..غابوا، إن وجدت من يأخذك من تدافع صور الحياة من حولك الى هدأة الروح في مكان غير بعيد تتهادى لك في المخيلة شتى صور من الحياة التي لا تريد أن تتوقف عن الانطلاق: بوح الروح وشكوى القدر ورغبة الوصول الى كل مظان الحلم والأمل. ثم تجد نفسك، في لحظة ما، منفلتاً من عقال الالتزامات بأنواعها...تغدو بك الخطا على حافة «كورنيش» كان ذات يوم حلم أهل المدينة في وضع حد لتطاول «الفرات» على جيرانه، وتطاول جيرانه عليه...فقد صار الحاجز الأمين، وصار في الآن ذاته متنفس الروح والجسد...ولكن أين هم رواد هذا «الكورنيش» الجميل....ولماذا يبدو الفرات من خلفه ناعساً كأنه في غفوة أقرب للسبات..لماذا....؟!. ربما لأن الفرات أيضاً يحب أن يغفو حيناً...كي يمتلئ مجدداً بصحو الحياة.. هكذا يقفل النهار ساعاته «في الميادين»، وهكذا تمضي الحياة...!.
|