|
في السباق نحو الرئاسة الفرنسية
نعيم محمد قداح
يمثل نيكولا ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي ومرشح الحزب الحاكم للانتخابات الرئاسية في فرنسا، منذ ترشيحه يوم 14/1/2007، للانتخابات الرئاسية الفرنسية، الجيل الثاني من المهاجرين الاوروبيين الى فرنسا «...أمه يهودية يونانية، وأبوه مجري» وبذلك يكون حالةً خاصةً بين المرشحين، إذ يرى كثير من المتقدمين للترشيح الرئاسي من التيارات اليسارية والحزب الاشتراكي ان «ساركوزي» يمثل خطراً على استقلالية السياسة الخارجية الفرنسية، وعلى نسيج المجتمع الداخلي من خلال سياسته «الليبرالية المعادية للمهاجرين»، التي تهتم بالأمن أكثر من إيجاد حلول للمشاكل الأساسية الاقتصادية والاجتماعية... قال ساركوزي عن ميوله السياسية ما يلي: أصبحت عقب مرور 30 عاماً في الحياة السياسية، وكأن اللوم الوحيد القوي تجاهي هو أنني قريب جداً من الولايات المتحدة، التي زرتها في تشرين الأول 2006، ذلك لأن فرنسا لم تدخل معها قط في حروب، إنها دولة قمنا معها في الماضي بالحرب لاستئصال النازية، ونحارب اليوم سوياً لقهر «الارهاب الدولي»، لذا فإنني أشعر أنني قادر على متابعة خطها، انها دولة لم يعرف غيرها، منذ ما يقرب من 15 عاماً توظيفاً كاملاً للأيدي العاملة، دولة نموها الاقتصادي يتفوق علينا سنوياً بدرجة أو درجة ونصف، دولة تسودها الديمقراطية، التي تمزج بانسجام بين التوفيق والاستقرار السياسي. مضيفاً: «لستُ من المصابين بالحب الأعمى للولايات المتحدة، ولكن أي مراقب حسن النية، ينبغي عليه ان يرى هذه الحصيلة المشرّفة، وليس لدينا أي سبب للغضب من الشعب الامريكي». لكن ساركوزي.. نسي العداء والصراع بين امريكا وفرنسا فيما مضى.. فالتاريخ يذكر بأنه كان هناك صراع مسلح وغير مسلح على مصالح ومغانم استعمارية بين امريكا وفرنسا حول لويزيانا وفلوريدا وغيرها من الولايات المتحدة الامريكية الجنوبية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وحول بعض المستعمرات وقتئذٍ في منطقة الكاريبي، يقول ساركوزي: من وجهة نظري تعتبر أزمة عام 2003 بشأن العراق أكثر الأزمات التي عاشتها فرنسا مع الولايات المتحدة منذ عام 1966، زمن رحيل الامريكيين عن قواعدهم في فرنسا، بناءً على طلب الجنرال، ويقول: عقب تجميد فرنسا لنشاطها العسكري في حلف الاطلسي، تعد الأزمة التي نشأت إبان (العدوان على العراق) خطرة، لانها كانت أزمة انفعالية، لقد أحس الامريكيون ان الأمة التي يشعرون بالقرب منها بالقيم والتاريخ، تركتهم (العرب اليوم 24/12/2006). تلك هي الكلمات التي أدلى بها نيكولا ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي والمرشح الرئاسي في الانتخابات الفرنسية المقبلة، تعليقاً على سفره للولايات المتحدة في الخريف الماضي عام 2006، الذي أثارانتقادات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية في فرنسا. إن بعض الخبراء الفرنسيين، رأوا ان هذه الزيارة هي سياسة جديدة، فقد أشاردومينيك مويسي، الخبير في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية الى أن ساركوزي يتحدث بلهجة جديدة مع امريكا، فليست لديه الخلفية المناهضة لامريكا، التي يحملها أغلب رجال السياسة الفرنسيين. وبخلاف دو فيلبان، الذي قال: نحن لا نركض وراء الولايات المتحدة ولكن بجانبها، فإن ساركوزي يعد افكار الفرنسيين لتغيير جذري تجاه الولايات المتحدة. وقد استطرد مويسي قائلًا: «إن ساركوزي قد يشكل مخاطر حقيقية برفضه السير في اتجاه مناهضة الامريكيين مثل الرأي العام الحكومي»، في حين إن معارضة الولايات المتحدة كان حدثاً مؤثراً في شخصية «دومينيك دوفيلبان مثلاً. وعلى مشارف الانتخابات الفرنسية... يرى البعض ان ساركوزي سيقتفي أثر مواقف واشنطن، وبالنسبة لآخرين فـإنه سيأخذ أوامره من البيت الأبيض». لقد أثارت زيارته أمريكا تساؤلات عديدة لدى مختلف الاحزاب الفرنسية، بما فيها الحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الفرنسي، فقد وصفته ماري جورج بوفيه سكرتيرة الحزب الشيوعي، بأنه بوش الصغير، مطالبةً الحزب اليساري المناهض الليبرالية بعرقلة حركته في الانتخابات الرئاسية لعام 2007، وقال فابيوس رئيس الوزراء السابق: «ساركوزي ليس شخصاً اوروبياً مقنعاً مثلنا، يدافع عن المصالح الفرنسية، انه قبل أي شيء موالٍ للامركة وأحد أكبر المتحمسين لبوش»، لكن ساركوزي، الذي يرأس منذ عام 2004 حزبه الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني الحاكم، ان قراره الترشيح للرئاسة مسؤولية تجاه الفرنسيين الذين أطلب منهم ان يمنحوني ثقتهم»، مؤكداً ان لديه «القوة والطاقة والرغبة في خلق علاقة جيدة مع الفرنسيين ترتكز على كلمتين: ثقة واحترام». وكان ساركوزي قد تسلم حقائب وزارية عدة مثل: الميزانية (1993-1995)، والإعلام (1994)، والداخلية (2002) حيث رسخ نفسه «شرطي فرنسا الأول» ومع ان انتفاضة الضواحي التي اندلعت في العام ذاته، قللت من أسهم ساركوزي.. بعدما تعهد بـ تنظيف الضواحي ممن سماهم بالحثالة و الاوغاد، إلا ان ساركوزي يعتبر ان مكافحة القلاقل ستكون من كبرى أهداف انتخابات 2007، جاعلاً أيضاً من مكافحة الهجرة غير الشرعية احدى أولوياته، وهما قضيتان يعتبرهما اليساريون وبعض اليمينيين مغازلةً لناخبي اليمين المتطرف. ويعتبر ساركوزي، «رجلاً زئبقياً لا يمكن التكهن بمواقفه» فقد سبق له ان أيّد مشاركة الأجانب في الانتخابات المحلية، كما أكد انتماءه الى نظام الليبرالية الاقتصادية، مندداً في الوقت نفسه بـ «أرباب العمل»، الى ذلك لم يكشف ساركوزي عن وجه ضعيف سوى مرة واحدة حين تحدث بغصةٍ، ومكرهاً أمام عدسات التلفزيون عن «مشكلات زوجية». ويقول منتقدوه انه يسعى الى السلطة انتهازي متأهب دوماً لبيع الحريات المدنية من أجل مكاسب سياسية وشخصية، وينقب كثيرون عن تصرفات شخصية لساركوزي، لم تُعرف حتى الآن مثل عدم دفعه الضرائب عام 2005، بل ان هناك من «يؤمن بأنه من كان وراء طرد رئيس مجلس ادارة صحيفة لييراسون سيرج جولي في حزيران 2006»، كما ان ثمة من يتهمه باعتماد النهج البوشي في سياسته الخارجية، كان ساركوزي في حالة من الوجد، وهو يلقي خطابه حين صوّت حزبه على ترشيحه في 14/1/2007، حيث تدفقت الكلمات الساخنة في جديته، وتحدث عن البيئة بالشجن والانشغال بمصير البشرية، ردد كل شعارات اليسار والمدافعين عن البيئة والمطالبين بنظام عالمي، بديل.. بتواتر. وعلى الرغم من أنه يعلن أن جمهوريته الجديدة.. رحبة الصدر.. لكل الثقافات.. فإن سهامه أطلقها على بعض المهاجرين من ثقافة بعينها دون ذكر الكلمة صراحةً، وفي الوقت ذاته ليضرب أكثر من عصفور بالحجر ذاته، يقول: لا أوافق أن يعيش في فرنسا من لا يحبها ومن لا يبذل الجهد ليتكلم لغتها ومن لايحترم قيم الجمهورية وقوانينها، فخضوع المرأة يتنافى مع قيمها فلا مكان فيها لمن يريدون أن يهيمنوا على نسائهم، أو لمن يمارسون تعدد الزيجات ويمارسون ختان البنات، تلك بالحرف الكلمات التي يستخدمها اليمين المتطرف، وهو في الوقت ذاته اختيار لقضية لا يختلف حولها أي متحضر ليتقرب بها من الحركات النسائية المدافعة عن حقوق المرأة، التي تقول بتلك القضايا دون ربطها بعدم حق البقاء في فرنسا، والجمهورية الحقيقية وليست الخيالية، حسب ساركوزي لا تمنح كل شيء بالتساوي للجميع، ولكن تساعد أكثر من يعمل على إيجاد حل لأوضاعه وأقل لمن لا يريد أن ينشط فهي لا تقبل من يعيش عالة عليها. يعلق المراقبون السياسيون على ذلك بالقول: كأن الفقراء اختاروا الفقر حباً فيه، إذ تناسى ساركوزي أن أصحاب المشاريع يلقون آلافاً من الفقراء على الأرصفة كل عام، ويغلقون شركاتهم وينقلون أعمالهم إلى البلدان التي تتوافر فيها العمالة الأرخص.. إن أقلّ ما يمكن قوله: إن ساركوزي أهان مئات الآلاف من المواطنين حينما قال: إن المساعدة إهانة لكرامة الإنسان، إذ لاحول للفقراء والعاطلين عن العمل ولاقوة.. فيما آلت إليه أمورهم فهل على كل مواطن طُرد من عمله أن يبتدع مشروعاً رأسمالياً ليعيش. ساركوزي يقترح جمهورية الطبقة الوسطى التي يجب أن تساعدها الدولة لتصبح مالكةً لمساكنها بتخفيض الفوائد على القروض وأن تكون فرنسا بلداً يسوده أصحاب الأملاك، لأن الملاك يحترمون ملكيتهم وهي تأمين لمستقبلهم، ساركوزي يتوجه للشباب بمسألة الملكية الخاصة لأن لها وقعاً هاماً حيث تتزايد بالفعل شرائح الشباب الذين يشترون عقارات رغم عدم قدرتهم عملياً على تسديد القروض، وهذا التوجه ذو الطابع الاجتماعي يضيف له ضمان الدولة في ظل رئاسته لمساعدة الطلبة بإعطاء منح شهرية للدراسة والاستقلال عن الأسرة، ثم بتقديم قروض بضمان الدولة دون فوائد.. يسددونها بعد نجاح مشروعهم، ومن هنا يعرف ساركو الأثر الذي سيتركه كلامه عليهم في التصويت له، وهاجم ساركو اليمين الديغولي واليسار منهما، الأول بإهماله للعمل كقيمة وخيانة الثاني لقيمه، ففرنسا تعمل أقل من البلدان الأخرى.. في حين إن بقدرتها تحقيق العمالة الكاملة وهي الآيديولوجية التي أهملها اليمين.. أما اليسار فقد خفض ساعات العمل الأسبوعي من 39 ساعةً إلى 35.. وردد ساركو شعاره الجديد: إن الاشتراكيين يريدون أن يعمل الفرنسي أقل ، أما أنا فأريد أن يكسب أكثر، ووعد بقانون لضمان منح القروض لكل من يريد إقامة مشروعه الخاص، إن هناك من يرى أن هدف استراتيجية ساركوزي هو إضفاء الأخلاق على الرأسمالية، التي لايمكن أن تستمر دونها رأسماليته أن لا تأخذ الدولة كل الربح ولايكسب الفاشل فيها أكثر من الناجح، سيقترح ألا تمنح أية مساعدات اجتماعية دون أن يقابلها عمل للنفع العام، يهاجم حق الإضراب عن العمل الذي يكفله الدستور الفرنسي كركن جوهري من حق التعبير النقابي للدفاع عن مصالح العاملين، ويعتبر الإضراب احتجازاً للمواطنين. ويرفض ساركوزي دخول تركيا للاتحاد الأوروبي.. كما ينتقد السياسة الأمريكية في العراق بعد أن كان قد أيّدها في السابق نظراً لتزايد تعقيداتها، إنه يسير مع التيار وتكفي نظرة سريعة على المواقع الخاصة على الانترنت التي أخذت دورها الكامل في هذه الانتخابات لاكتشاف الاختلاف الهائل بين موقعي ساركوزي ورويال... كلاهما حتى اليوم من أبرز المرشحين في الاستطلاعات يظهر التباين بينهما في المزاج الفرنسي المتغيّر بالتصريحات الخاصة للمرشحين والردود عليها، وكذلك يبين لنا المزاج السائد موقف الشركات الكبرى من الانتخابات الفرنسية فهي تؤيد كلاً من ساركوزي ورويال الاشتراكية وتحجب عن الآخرين، وإذا كانت جمهورية ساركوزي الرأسمالية الفاضلة تغذي أحلام من يطمعون في أن يتحول الشباب من الحلم الأمريكي.. إلى الحلم الفرنسي.. فماذا تقدم الأحزاب الأخرى في برامجها لمواجهته؟ ولماذا يستمر اليسار الفرنسي؟ وما الاختبار المقبل للمواطنين.. هل هو تداول السلطة وعودة الحزب الاشتراكي إليها؟؟ أسئلة كثيرة سترد أجوبتها في الأسابيع الباقية.. إلى يوم الانتخابات في شهر نيسان أو أيار القادمين. ويرى معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية أنه في حالة فوز المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال في المناظرة، التي أجرتها مع منافسيها في الحزب الاشتراكي قبل أن يحسم الأمر لمصلحتها.. أكدت محورية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في القضايا الاستراتيجية، بل أكدت أيضاً ضرورة استئناف المساعدات الفلسطينية أياً كانت الحكومة الفلسطينية. إن لدى فرنسا اتجاهين في إدارة علاقتها مع أمريكا.. الأول يصر على التمسك باستقلال فرنسا.. أما الثاني فيدعو الى الاتجاه الأطلسي الذي روّج له ساركوزي خلال زيارته الأخيرة الى واشنطن... يقول المسؤول في المؤتمر اليهودي العالمي إسرائيل سينغر بعد اجتماع خاص للقيادات اليهودية مع ساركوزي في نيويورك: إن الوزير الفرنسي يجعل الأمريكيين يشعرون بالارتياح إزاء الفرنسيين، وفي مطلق الأحوال.. فإن ساركوزي في حال نجاحه سيعيد الاستقلالية التي طالما كانت سمةً مميزةً لفرنسا، إلى الوراء كثيراً.
|