|
كيف يقيم الاستراتيجيون والسياسيون مواقف سورية وقيادتها وتأثيرها في مجرى أحداث المنطقة؟!
رسالة القاهرة - عبير عبده
بعد ان أكدت مجلة «الايكونومست» البريطانية على الدور السوري الفاعل في كل قضايا المنطقة، وتطور هذا الدور بصورة أكبر خلال الفترة الأخيرة بفضل ذكاء الرئيس بشار الأسد، نتناول في هذا التحقيق رؤية الخبراء الاستراتيجيين وقادة الأحزاب المصرية والمحللين السياسيين لدور سورية المميز في المنطقة، ومواقف قيادتها وتأثيراتها في الآونة الأخيرة، وهو ما تأكد عبر ما جاء على لسان العديد من كبار المسؤولين في الغرب من تأكيد على ضرورة فتح باب الحوار مع سورية، وزيارة كبار المسؤولين الأمريكيين لدمشق للحوار المباشر مع الرئيس الأسد وكبار المسؤولين السوريين، وكان آخرها زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لسورية ومحادثاتها التي أجرتها في دمشق، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ان هناك دعوات كثيرة وجهها نواب وسياسيون أمريكيون لادارة الرئيس بوش لاجراء اتصالات مع سورية، وأشادوا بزيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي الى دمشق، اذ قال السيناتور الجمهوري ارلين سبيكتر لمحطة الـ /سي. ان. ان/ التلفزيونية الأمريكية: ان بيلوسي فعلت الصواب، لأن الحوار مع سورية ممكن، والتعامل مع رئيسها بشار الأسد أمر مهم جداً. وهناك رأي عام في الولايات المتحدة الأمريكية يدعو لفتح باب الحوار مع سورية، والتوجه نحو سياسة أكثر واقعية في المنطقة، لكن الادارة الأمريكية الحالية لاتزال تتعنت بمواقفها، رغم أن زيارة بيلوسي جاء اعترافاً بفشل كل محاولات عزل سورية، مما يؤشر الى ان حواراً قد بدأ من جديد بين سورية والولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الزيارة هي خطوة في الاتجاه الصحيح، وتأكيد جديد على فشل السياسة التي ينتهجها المحافظون الجدد في الادارة الأمريكية. دور مؤثر يقول الخبير الاستراتيجي اللواء د. نبيل فؤاد: إن القوى الدولية في رؤيتها للدور السوري تعي تماماً انه دور واضح ومؤثر بدرجة كبيرة على المستوى الاستراتيجي، بل انه الدور المفصلي في الكثير من القضايا على مستوى المنطقة العربية، وعلى المستوى الاقليمي، ومن هنا يثبت فشل سياسة عزل سورية التي حاولت القيام بها مراراً وتكراراً ادارة الرئيس بوش خلال السنوات الأخيرة، فسورية دورها متشابك بشكل كبير مع محيطها العربي والاسلامي، ومؤثر على مستوى الصراع متعدد الوجوه الذي تشهده المنطقة بفضل قوتها الداخلية واستقرارها، ودورها على المستوى الاقليمي لا يمكن انكاره، خصوصاً بعد فشل سياسة «الفوضى الخلاقة» التي سعت ادارة بوش لنشرها في كل دول المنطقة، وتحويلها الى فوضى مدمرة حقيقية على مستوى المنطقة، هذا الفشل الذي يمثل بداية الفشل الذريع للاستراتيجية الدولية في المنطقة العربية.
إدارة واعية ويؤكد الخبير الاستراتيجي المعروف اللواء صلاح الدين سليم ان القيادة السورية في ادارتها للأزمات الأخيرة مع القوى الغربية بصفة عامة، والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، والتي تمت بصورة عملية واعية، كانت مستوعبة تماماً لمايجري في المنطقة العربية، وبدا ذلك، مثلاً، في استعادة التنسيق الاستراتيجي مع مصر والسعودية. كما استطاعت دمشق ان تبدي مرونة سياسية في التعامل مع الأطراف الدولية المعنية بالمشاكل في العراق ولبنان وفلسطين، وكان الموقف السوري متميزاً من أزمة اللاجئين العراقيين، ومن قبول التفاوض بشأنهم مع الولايات المتحدة، مع ضرورة فتح كل الملفات ومن بينها الملف اللبناني والملف العراقي بوضوح في التفاهم مع الادارة الأمريكية، والأهم من ذلك ان سورية تحاول ان تستعيد علاقات تعاونها السياسي والعسكري مع روسيا الى أقصى الحدود المتاحة الممكنة، وهذا بلا شك يصب في مصلحتها ومصلحة العرب. وقد أثمرت هذه الجهود نتائج ايجابية كثيرة خلال الفترة الأخيرة، فبات واضحاً ان هناك تحولاً في موقف الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن من سورية، وهناك تفاهم مباشر واعتراف من الاتحاد الأوروبي بأهمية الدور السوري الفاعل في المنطقة، وان كانت هناك بعض المطالبات المتكررة والمألوفة من الاتحاد الأوروبي لسورية بمراجعة مواقفها ضد بعض منظمات المقاومة التي لايستغرب اتهام الغرب لها بالعنف، مع انها مقاومة شرعية ضد الاحتلال، سواء كانت هذه المنظمات في فلسطين أو لبنان، لكنني أوجه اللوم أساساً للدول العربية التي تقبل استخدام تعبيرات مثل الارهاب والعنف لوصف أعمال المقاومة الشرعية التي يحميها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ومع ذلك فإن ثمة ضغوطاً مستمرة على سورية لتحييدها ومنعها من تأييد المقاومة المشروعة في لبنان وفلسطين، وفي واقع الأمر فإن هذه الضغوط تواجه بردود فعل سورية قوية، ويجب ان تواجه بردود فعل عربية منسقة أيضاً. وبغير جدال فإن الدور السوري كان محورياً في اعادة مثلث القوة العربي بعد فترة من الجمود، والذي يمكن ان يصل الى استراتيجية عربية منسقة، أو على الأقل الى تفاهم استراتيجي يحرك الملفات الساخنة التي يعاني العرب من تداعياتها السلبية، وبلا شك فإن هذا الدور السوري المميز، سواء في المنطقة العربية أو على المستوى الاقليمي أو الدولي قد مكنها من ان تكون واحدة من أهم الدول المحورية في المنطقة، وأفشل محاولات عزلها فشلاً ذريعاً.
تحالفات استراتيجية ويشير د. محمد السعيد ادريس مساعد مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام الى تمايز الدور السوري عربياً واقليمياً خلال السنوات الأخيرة، بفضل سياسة الرئيس بشار الأسد، إذ لعبت السياسة السورية دوراً مهماً في تقوية العلاقات والتحالفات بين سورية والجوار الاقليمي مثل ايران وتركيا وتطورها في الآونة الأخيرة، الى جانب التعاون الثنائي الاقتصادي والتجاري الذي يشهد مرحلة جديدة من التعاون بين تلك البلدان. فعلى الصعيد الايراني- السوري يتعرض البلدان لضغوط أمريكية، باتهامات بدعم الارهاب وبتمرير أسلحة لحزب الله ومساندة حركات المقاومة الفلسطينية ودعم المقاومة العراقية، بالاضافة الى اتهامات لسورية بامتلاك أسلحة دمار شامل، فضلاً عن تداعيات الوضع في العراق والوجود العسكري الأمريكي. وتواجه سورية وايران تلك التحديات بخط استراتيجي قوي يجمع بينهما، ويمثل نقطة أساسية في مواجهة أية محاولات أمريكية لتبديل المعادلات الاستراتيجية في المنطقة، خاصة بعد أن تعمق مأزق واشنطن في العراق. كما ان العلاقات التركية- السورية شهدت تطوراً هاماً بعد الزيارة التاريخية للرئيس بشار الأسد الى أنقرة، والزيارات المتبادلة للمسؤولين بين كلا البلدين، وقادت سورية الكثير من المبادرات لدفع تلك العلاقة نحو تعاون أوثق. ويوحد تركيا وايران وسورية الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق ووحدة أراضيه، من منطلق ان أية تجزئة تضر ليس فقط بالأمن والاستقرار داخل العراق، بل بالدول المجاورة ومنطقة الخليج بأطرافها المختلفة، وتسعى تلك الدول لتلافي أية ترتيبات يمكن ان تضر بها، أو تشكل تهديداً لها في المستقبل، وتتركز مطالب هذه الدول بضرورة الانسحاب الأمريكي من العراق والتعاون التجاري، بما في ذلك تجارة النفط وفتح الأسواق. وجاء ذلك متزامناً مع بوادر التغير في العلاقة بين تركيا واسرائيل، مع صعود حكومة رجب طيب أردوغان، ووصفه عملياتها في الأراضي المحتلة بأنها ارهاب دولة، وقيام تركيا بسحب سفيرها احتجاجاً على سياسة الاغتيالات الاسرائيلية. ولابد من الاشارة الى توجه تركيا وانفتاحها على العالم العربي والاسلامي لموازنة طلبها في العضوية غير المضمونة للاتحاد الأوروبي، وهذا ما يفسر حرص تركيا لترشيح نفسها لرئاسة المؤتمر الاسلامي. وتطمح تركيا للقيام بدور يمكنها من اعادة ترتيب علاقاتها مع الدول العربية والاسلامية، لذلك ترى اسرائيل ان نجاح مشروع المقاومة في العراق يعد اضافة للدور الايراني والسوري، بل والتركي، سواء فيما يخص القضية الفلسطينية أو في الداخل العراقي، وان مسألة وجودها في شمال العراق سيضيف ضغطاً جديداً على كل من ايران وسورية وحزب الله، في مقابل رؤية موحدة أخرى لدى كل من طهران ودمشق وأنقرة ترتكز على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، ورفض الوجود الأمريكي في العراق وتأسيساً على هذه الرؤية حدث تطور ملحوظ في العلاقات بين سورية وتركيا وايران. ودون شك هذا التقارب يصب في مصلحة القضايا العربية والاسلامية المحورية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لكن بالمقابل هناك ضغوطات أمريكية ومحاولات اسرائيلية لتخريب العلاقات في هذا المثلث، وخصوصاً بين دمشق وأنقرة. وتبرهن التحديات الآنية وطويلة الأمد التي تواجهها القوى الاقليمية ذات التأثير المباشر، وهي سورية وايران وتركيا، أهمية التنسيق والتشاور فيما بينها، فالتحرك الايراني- السوري يحمل في طياته معاني ودلالات سياسية، تؤكد ان هناك اصراراً للتصدي لكل الآثار والتداعيات التي نجمت عن الاحتلال الأمريكي للعراق، بل والعمل على توسيع نطاق المجابهة للمخططات الأمريكية والاسرائيلية، سواء على مستوى المنطقة أو النظام الدولي، وهذا يؤكد بلا شك بعد النظر في التخطيط الاستراتيجي السوري في هذه المرحلة، وهو ما يفهم من كلام الايكونومست حول ذكاء الرئيس الأسد وتطور الدور السوري.
مواقف متميزة ويعتبر فاروق العشري عضو المكتب السياسي للحزب العربي الناصري أن مواقف سورية قوية ومتميزة، وتمسكها بمبادىء عدم التنازل أو التفريط في الحقوق الفلسطينية المشروعة، وعدم التفريط بأي شبر من الجولان، هو ما جعل لسورية عموماً مصداقية أمام العدو والصديق.. وفي مرحلة الرئيس بشار الأسد أكدت سورية تمسكها بكل المواقف والحقوق المشروعة، وفي الوقت نفسه فتحت باب الحوار مع دول العالم، وهو ما يشكل موقفاً تقدمياً عربياً وسط منطقة اتجهت غالبية أنظمتها السياسية الى التنازل أو المساومات أو القبول بالحلول الوسط وانتظار الرضا الأمريكي، والتخلي عن دعم الفصائل الفلسطينية، والسير في الركاب الأمريكي، والاتجاه نحو قبول التسوية المعروضة وفقاً للشروط الاسرائيلية الأمريكية. ولذلك فإن موقف سورية في هذا الصدد متميز وأصيل وعلى قدر كبير من الذكاء والحنكة، والرئيس بشار الأسد استطاع ان يبحر في مياه صعبة وينجح في قيادة بلده دون التنازل عن المبادئ، وزيارة بيلوسي الأخيرة لسورية ليست من فراغ، وليست بمبادرة شخصية منها أو على مسؤوليتها، فالنظام الأمريكي تحكمه استراتيجية عليا، بصرف النظر عن الاختلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، ومثل هذه الخطوة لايمكن أن تكون تغريداً خارج السرب، ولابد أن يكون وراءها توافق على الأقل حول مسائل الأمن القومي الأمريكي، وهذا ما اتضح من تصريحات أخيرة لكارتر وهو رئيس أسبق وله دور في اتفاقيات كامب ديفيد، ورغم ذلك أعلن انه صدرت اليه تعليمات صريحة برفض زيارته لسورية، ولأول مرة يتعرض لموقف برفض تحركاته وهو ليس في السلطة، ومن هنا ندرك مدى الحرص الأمريكي على عدم المساس بالاستراتيجية العليا، وخطط الادارة الأمريكية وعدم اعاقتها، ولذلك أتصور ان زيارة بيلوسي مؤشر على المسعى الأمريكي لتحسين العلاقة مع سورية، مع ثقتي الكاملة بأن سورية لن تتنازل أو تفرط بثوابتها، سواء ما يتعلق بالحقوق الفلسطينية المشروعة المنصوص عليها بقرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وكذلك بالنسبة لاسترداد كامل الجولان السوري المحتل، وأيضاً بقية الأراضي اللبنانية المحتلة، وكذلك فإن موقف سورية من القضية العراقية موقف مشرف، حيث صمدت أمام كل التحديات والضغوط الأمريكية كي تثنيها عن موقفها الرافض للاحتلال الأمريكي للعراق. كل هذه المواقف بغير شك وضعت سورية وقيادتها السياسية في منزلة عالية، وأجبرت من كانوا يحاولون عزلها على الحضور اليها وطلب المفاوضات المباشرة معها، من هذه المنزلة العالية وليس من وضع الخضوع الذي انتهجته بعض الأنظمة السياسية الأخرى.
ممانعة سورية ويشدد الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين على ان الدور السوري لا يمكن تجاهله، فالممانعة السورية تعطل المشاريع الاستعمارية في وطننا العربي وفي المشرق على وجه الخصوص، ويعتقد ان الغرب قد انتقل من حالة المواجهة الى محاولة الاحتواء، من أجل عزل ايران في هذه المرحلة، فالغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص لا يريدان ان يخوضا المعركة مع كل أعدائهما في الوقت نفسه، لذلك علينا ألا نثق في أحكام الغرب، وألا نركن اليها، وألّا نؤخذ كثيراً بالمديح الغربي.
|