إحدى عشرة سنة على مجزرة قانا الأولى


تفيد أبو خير


قامت آلة الحرب الصهيونية، التي نشأت على منطق الجريمة والابادة، بشن حرب مدمرة على جنوب لبنان وجوار بيروت والساحل في الفترة ما بين 11 الى 26 نيسان من سنة 1996.
وأطلق على هذه العملية اسم «عناقيد الغضب»، وهو مأخوذ من رواية أمريكية تحمل الاسم ذاته للكاتب جون شتاينبك الذي نشر قصته عام 1939، وحصل على جائزة نوبل في الآداب على هذا العمل سنة 1962.
واذا كان العرب أكثر قدرة على تجاوز الألم، فقد تكفلت اسرائيل باعادة الذكريات من خلال المجازر، وحتى عام 1996 كان الصهاينة قد ارتكبوا أكثر من 75 مجزرة دامية وموثقة ومعترفاً بها في التاريخ الصهيوني المدون!.
وفي الثامن عشر من نيسان من أيام تلك العناقيد الحارقة قصف الطيران الصهيوني بمساندة المدفعية ملجأ للقوات الدولية في بلدة قانا التي تبعد مسافة 13 كم عن مدينة صور الى الشرق، حيث أوى اليه أهل القرية ومن حوصر فيها، وكان المشهد قبيل النار، حسبما ذكر شهود من القوات التابعة للأمم المتحدة، وهم من فيجي، يتجلى بعدد كبير من النساء، ومنهن الحوامل، وحولهن يتحلق أطفال يرتعدون، وعلى الأبواب والنوافذ وقف المسنون والشيوخ ينتظرون فجراً لليلهم الطويل.
لم يكن من السهل على الصليب الأحمر الدولي ولا اللبناني، ولا منظمة الهلال الأحمر ان تتدخل في أثناء انهمار القذائف على المبنى المكتظ بالأرواح البشرية، ولكن السهولة وقفت عند رفع أكثر من 250 شهيداً منهم 17 شخصاً لم تستطع الجهات المعنية معرفة هوياتهم.
والملاحظ انه في الأسبوع الدامي الذي تكثف فيه القصف على الجنوب، كانت أعداد كبيرة من شبكات البث التلفزيوني الأوروبية والأمريكية تعرض أفلاماً من ثلاثة أصناف، أولها أفلام تسجيلية ووثائقية عن «اضطهاد اليهود» من قبل الألمان في عهد ادولف هتلر، وروائية عن المحارق المزعومة بأسلوب درامي مؤثر، والصنف الثاني أفلام كوميدية أبطالها يهود مستضعفون، والثالث يروي حكايات مختلقة بين المستشرقين والعرب، عن أحداث حصلت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يظهر فيها العرب بصورة مغرقة بالجهل والوحشية.
وبقيت هذه الأفلام تتكرر حتى نهاية نيسان 1996، لتنهي مهمتها في خلق توازن نفسي لدى المواطن الغربي الذي قد تصدمه مشاهد قانا، مع العلم ان صور المجزرة سلمت باليد لمراسلي الصحف والوكالات الدولية، وأشرطة التسجيل المصورة من الحدث أرسلت الى المنظمات الانسانية والدولية، لكن نشرات الأخبار في القنوات الأجنبية اكتفت بذكر خبر القصف واسم العملية وصعوبة حركة المراسلين مع التنويه الى طلب واشنطن من جميع الأطراف بضبط النفس.
واذا لم يستطع العرب تحصيل حقوقهم، فعليهم ألا ينسوا شهداءهم، وحري بهم ان يتذكروا أبناءهم الذي قضوا في بغداد سنة 1258 اثر دخول هولاكو، وبعد سقوطها سنة 2003، وان يتذكروا كفر قاسم ودير ياسين وغزة وجنين والحرم الابراهيمي، وربما عليهم ان يتذكروا كل قرية وبلدة في فلسطين.
أصبحت المجزرة سالفة الذكر تحمل اسم «قانا الأولى» منذ تموز 2006 عندما سقط عشرات الشهداء في مشهد مشابه، حتى قيل: ان من نجا من قانا الأولى استشهد في الثانية.
ان هناك أكثر من «قانا» يرتكبها الجيش الأمريكي وعملاؤه في العراق بهدف اضعاف الشعب العربي العراقي، وافراغ الدولة من أهلها.
واذا لم يقف العرب الى جانب المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي والبريطاني، فإن كارثة أخرى ستحل بالعرب، واذا أجهضت المقاومة الوطنية وحوصرت، فإن الجيش الأمريكي سيبقى في العراق، ولن يخرج من هذا البلد العربي في عمر منظور، ولو تذكر العرب الرسالة التي أرسلها الشهيد عبد القادر الحسيني بطل معركة القسطل الى الجامعة العربية، لأدركوا ان سقوط بغداد هو مقدمة مأسوية، لمصير الشعب العراقي، وان الطائرات والقذائف التي تسقط على غزة والفلوجة وسقطت على قانا وعيتا الشعب خرجت من مصنع واحد وعلبت في الصناديق ذاتها.
ان الأرض العربية هي أمانة اليوم بيد العرب سيطالبهم بها الجيل القادم اذا فرطوا بها أو سمحوا لأعداء الأمة ان يعبثوا بتاريخ الحضارة التي امتدت لقرون طويلة وصنعت مدنية سامية رفيعة تقطف ثمارها في كل  أرجاء العالم.